الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
16
هداية المسترشدين ( طبع قديم )
قائما بغير المحل المذكور ولو أطلق العروض في مثله فعلى سبيل المجاز دون الحقيقة وهو خلاف المفروض إذ الكلام في عوارض الحقيقة وإن كانت غريبة بالنسبة إلى معروضاتها فإذا ثبت ذلك لزمه صحة حمل الواسطة على المحل حسبما مر بيانه من صحة العوارض على محمولاتها معروضاتها بالاعتبار المتقدم فبما قررناه ظهر هنا فساد ما ذكرناه من تسديس الأقسام على النحو المذكور وجواز كون الواسطة في العروض مباينة للمعروض وكذا ما مثل له من عروض اللون للجسم بتوسط السطح وما مثل أيضا من عروض الحركة لجالس السفينة فأبين فسادا منه إذ لو أريد بالحركة في المقام مجرد الخروج من حين إلى آخر فلا ريب في كونها عارضة لذات الجالس وإن أريد منه صدور الحركة منه ومبدئيته لها فمع أنه ليس من حقيقة الحركة ليس مستندا إلى السفينة أيضا وإنما يستند إلى الماء والريح المتحرك لها ولو صح ذلك بدعوى جعل القاسر في السفينة مبدأ للحركة المفروضة تزول الحركة بزواله ففيه بعد تسليمه أن ذلك غير عارض للجالس في السفينة بوجه إذ ليس فيه مبدأ الحركة المفروضة لا أصالة ولا تبعا وإنما هو من عوارض السفينة خاصة وهو ظاهر ثم إن ما ذكر من أن اعتبار المساواة في الوجود في الأعراض الذاتية إذا كان عروضها لأمر غير الذات ليكون المراد بالمباين في الأعراض الغريبة أيضا هو المباين في الوجود مما لا يكاد يصح كما لا يخفى هذا كلها بالنسبة إلى الواسطة في العروض وأما الواسطة في الثبوت فيمكن حصول المباينة فيها قطعا كما مرت الإشارة إليه وما قد يتوهم من أن المباين في نفسه لا يعقل أن يكون مصححا لعروض أمر لمباينة وإنما الارتباط الحاصل بينهما هو المصحح له وهو مما يصح حمله عليه مدفوع بأن انتقل الكلام إلى الارتباط المفروض فإنه أيضا من العوارض وحمله عليه بتوسط الأمر المباين ثانيها أن عد العارض للجزء الأعم من العوارض الذاتية غير متجه فإن الظاهر عدم كونه من العوارض الذاتية للأخص إذ عروضه له بتبعية اتحاده مع الأعم وصدقه عليه فهو من العوارض الذاتية للأعم فإن قلت إن العارض للجزء المساوي إنما يعرض الكل بتوسط اتحاده معه فلا يكون عرضا ذاتيا للكل أيضا وإنما يكون ذاتيا بالنسبة إلى ذلك الأمر المساوي خاصة حسبما مر في الجزء الأعم قلت فرق بيّن بين الأمرين فإن الجزء المساوي عندهم هو القوم للنوع وبه يتحصل الجنس أعني الجزء الأعم فتذوت النوع إنما هو يكون بالفصل القريب فيكون الجنس متحصلا بتحصله وحينئذ فالعوارض اللاحقة للفصل لاحقة لذات النوع ولو بالواسطة بخلاف لواحق الجنس فإنه لا خصوصية لتلك الذات في لحوقها وليس لحوقها لاستعداد حاصل في خصوصها ومجرد كون ذلك الجنس ذاتيا للنوع لا يقتضي كونه عوارضه ذاتية له لما عرفت من عدم ارتباطها إلا بالأمر العام وتوضيح المقام أن التحقيق في العوارض الذاتية إنما هي المستندة إلى ذات المعروض استنادا أوليا أو بالواسطة بأن يكون معروضها هي تلك الذات ابتداء أو بواسطة مرتبطة عليها ارتباطا ذاتيا وهو الداخل المساوي لما عرفت من كونه الأصل في قوام النوع وإنه إنما يكون نوعا مخصوصا من جهة اللواحق الطارية عليه طارئة على ذات النوع المخصوص مما يكون لذلك النوع الخاص مدخليته في عروضها وكذا الحال في الخارج المساوي نظرا إلى عروضها ابتداء لما هو مساو للذات فيكون من العوارض اللاحقة لتلك الذات من غير أن ينضم إليها ما يتخصص ويتقيد به ذلك النوع من حيث إن ذلك النوع موصوف بالعارض المفروض فإن افتقر في ذلك إلى ضم الوصف بالموصوف فإن الافتقار المذكور لا يقضي بخروج ذلك عن عوارض النوع المفروض كما يعرف الحال عنه من التأمل في وسائط الثبوت والحاصل أن العارض بتوسط الخارج المساوي من عوارض الذات بما هو تلك الذات وهذا بخلاف ما لو كانت الواسطة في العروض عرض أعم أو أخص ولو كانت ذاتية فإن قلت على هذا يكون جمع العوارض الذاتية للأعراض المساوية من الأعراض الذاتية للشيء مع أنه فاسد على إطلاقه إذ مجرد كون العرض ذاتيا بالنسبة إلى العرض الذاتي ولو كان مساويا لا يقضي بكونه ذاتيا بالنسبة إلى معروضه كما في عروض الشدة والضعف والسرعة للجسم بواسطة البياض والحركة العارضين له فإنهما من العوارض الذاتية والعارضين المذكورين من الأعراض الذاتية بالنسبة إليهما وضع ذلك فليسا من الأعراض الذاتية للجسم أصلا ولو فرض كون الحركة أو البياض عن الأعراض المساوية له أو لنوع منه قلت الكلام في المقام إنما هو في العوارض اللاحقة للشيء مما يتصف به ذلك الشيء على سبيل الحقيقة وإن كان تبعا للغير إذ لا ينافي ذلك كون الاتصاف به حقيقيا غاية الأمر أن لا يكون في بعض صوره ذاتيا والشدة والسرعة في المثالين المفروضين مما لا يتصف الجسم بهما إلا على سبيل المجاز من باب توصيف الشيء بوصف متعلقه فهما خارجان عن أصل الكلام والحاصل أن اللازم مما ذكرنا أن يكون العارض للشيء بتوسط عرضه المساوي عرضا ذاتيا وهو كذلك ولا يستلزم ذلك أن جميع الأعراض الذاتية لأعراضه المساوية أعراضا ذاتية له وإن لم يتحقق هناك اتصاف بين الأمرين فإن قلت كيف يعقل القول بعدم اتصاف المعروض بالوصف الحاصل لعرضه الحال فيه مع ما هو ظاهر من عدم إمكان قيام العرض لا بالجوهر ومع حصول القيام لا بد من الاتصاف غاية الأمر أن لا يكون ذلك الاتصاف ذاتيا قلت لا ملازمة بين الأمرين فإن مجرد القيام بالواسطة لا يقضي بصحة الاتصاف إذ قد يكون قيامه بذلك العرض من جهة اعتباره بشرط لا أي لا على وجه يمكن حمله على المعروض حسب ما قررناه وحينئذ فلا يلزم من اتصاف العرض به اتصاف المعروض كما هو المفروض في المثالين المذكورين فإن الشدة والسرعة إنما يعرضان للبيان والحركة باعتبار ملاحظتها بياضا وحركة أعني اعتبارهما بشرط لا بالمعنى المتقدم لا باعتبار الأبيض والمتحرك أعني اعتبارهما لا بشرط نعم لو كان الاتصاف حاصلا بالاعتبار الأخير لزمه اتصاف الموصوف أيضا على سبيل الحقيقة وإن لم يكن الاتصاف ذاتيا في بعض الصور هذا ومما قررنا يعرف الحال في العارض للجزء الأعم فإنه ليس لذلك النوع المخصوص مدخلية في عروضه فلا يكون ذلك من العوارض المتعلقة بذات النوع المفروض وإنما هو من لواحق ذلك الأمر العام ويكون اتصاف النوع به من جهة اتحاده مع الواسطة المفروضة ومما يشهد لذلك أنهم نصّوا على أن العارض لأمر خارج عام ليس من الأعراض الذاتية كما مرت إليه الإشارة مع أن الأمر العام قد يستند إلى الجنس الذي هو جزء من الذات فيكون المستند إليه مستندا إلى الذات حسبما ذكروه في عوارض الفصل وبالجملة لو جعل المناط في كون العرض ذاتيا كونه متعلقا بنفس الذات أو بعض ذاتياتها ولو بالواسطة لزم إدراج ذلك في العوارض الذاتية بل جرى ذلك في جميع ما يعرض الأنواع إذ عروض كلّ عارض إنما يكون لاستعداد حاصل في نفس الذات أو ذاتياته بلا واسطة أو مع الواسطة فلا يبقى هناك عرض غريب لشيء من الأنواع وهو خلاف الواقع وما نصوا عليه وإن جعلوا المناط فيه كون العروض لاستعداد حاصل في ذات المعروض من حيث كونها ذاتا مخصوصة سواء كان بلا واسطة أو معها فكما يخرج عنه حينئذ ما يكون عروضه لأمر خارج عام كذا يخرج ما يكون لأمر داخل عام من غير فرق أصلا فظهر بذلك أن ما بنوا عليه من الفرق بين الأمرين غير متجه فمحصل ما ذكرنا إذ العرض الذاتي